توجيهات لكتابة بحث علمي نوعي متميز
افتتاحية المجلة التربوية: توجيهات لكتابة بحث علمي نوعي متميز
أ.د. راشد بن حسين العبد الكريم
رغم حداثة دخول البحث النوعي إلى جامعاتنا ومراكز الأبحاث في العالم العربي، إلا أنه لاقى قبولا متناميا بين الطلاب والأستاذة، أسهم في زيادة هذا القبول والانتشار تبني كثير من الجامعات والمجلات العالمية لهذا التوجه في البحث.
إلا أنه لندرة المراجع باللغة العربية، ولحداثة التجربة في هذا المجال يلحظُ المتابع للأبحاث النوعية باللغة العربية جوانبَ نقص ونقاط ضعف تنتشر في كثير من الأبحاث النوعية العربية. في هذا المقال سوف أشير إلى عدد من أبرز الملاحظات التي تنتشر في كثير من الأبحاث النوعية العربية. وسوف أقوم بعرض هذه الملاحظات بحسب ترتيب ورودها عادة في هيكل البحث.
مجاراة هيكل وبناء البحث الكمي
الملاحظ أن هيكل تقرير الأبحاث النوعية العربية يحاكي الهيكل التقليدي للبحث الكمي من حيث الأقسام الفرعية والعناوين. وهذا أمر لا تسير عليه أكثر الأبحاث المنشورة باللغة الإنجليزية. فتقسيمات تقرير البحث النوعي يتميز بالمرونة مع التركيز على الأجزاء الأساسية المـُبِينة عن مشكلة البحث وهدفه وسؤاله، دون التقيد بالتقسيمات الفرعية التقليدية. ولذلك فكثيرا ما يُكتفى بسؤال البحث عن صياغة المشكلة، أو بهدف البحث عن مشكلته أو سؤاله. لأن مشكلة البحث وهدفه وسؤاله غالبا ما ينبئ بعضها عن بعض. فيكون في ذكرها نوع من التكرار في كثير من الأحيان.
وقد يكون سبب محاكاة الباحثين النوعيين العرب لهيكل تقرير البحث الكمي الرغبةُ في تسهيل قبول نشر الأبحاث النوعية بإظهارها مماثلة للبحث الكمي. وهذا وإن كان مبررا مقبولا، إلى حد ما، إلا أنه قد يجر مع مرور الوقت إلى تكوّن قوالب من البحث النوعي يصعب الخروج عنها.
فالبحث النوعي يركز على النقاط الأساسية في تقرير البحث التي توضح سؤال البحث وتضعه في سياقه الصحيح الذي يساعد على فهم النتائج، دون التقيد بالتقسيمات الشكلية التي فرضتها الرغبة في الوصول إلى ضبط دقيق في الإجراءات توخّيا للموضوعية. ولذلك فكل بحث نوعي يكاد يكون له هويته الخاصة التي يكتسبها من سؤاله وسياقه.
الاختصار في وصف البيانات ووصف إجراءات التحليل
من الأخطاء التي يقع فيها كثير من الباحثين في الأبحاث العربية النوعية الاختصار في وصف (البيانات) و(المشاركين) و(إجراءات التحليل). هذه الثلاثة أشياء ليس لها في البحث النوعي قوالب ثابتة وليست منضبطة كما في البحث الكمي. وفي الوقت نفسه، مهم جدا التفصيل فيها لأن التفصيل يوضح سياق البحث، وهو جزء من إثبات مصداقية البحث. فلذا على الباحث التفصيل في الوصف لدرجة تجعل القارئ للبحث (والمحكم والمشرف والمناقش) يفهم خلفية البيانات وإجراءات التحليل، بما يجعله قادرا على الحكم على مستوى علمية وصرامة ومصداقية البحث. فالبيانات يجب أن توصف بطريقة مفصلة، توضح كيف تم جمعها، وبأي أداة، وهل شارك مع الباحث أحد في جمعها، وكم استغرقت المقابلة أو الملاحظة لكل مشارك، ولماذا، وهل سجلت المقابلات، وكيف فُرّغت، وكم بلغت من الصفحات. فهذه معلومات لا يمكن فهم البحث وتقرير مصداقيته إلا بتوفرها. كما أن عدد المشاركين وخصائصهم وكيف اختيروا، ولماذا، ومدى تجاوبهم أمر مهم لفهم نتائج البحث. وعلى الباحث أن يصف إجراءات التحليل والتعامل مع البيانات، وما جرى عليها من حفظ وتصنيف وقراءة وترميز، وما مرّت به من مراحل تحليل حتى وصلت إلى النسخة النهائية من النتائج. التقصير في وصف هذه الأشياء الثلاثة يوجد حالة من الغموض أو الفجوة المعرفية المنهجية في ذهن القارئ، تجعله غير مطمئن لقيام البحث على أسس علمية رصينة.
التقدم إلى استراتيجيات بحث نوعي متقدمة قبل إتقان البحث الأساسي
من الأخطاء التي يقع فيها الباحث النوعي المبتدئ الرغبةُ الملحة للولوج إلى أنواع متقدمة من البحث النوعي، مثل النظرية المؤسسة، أو الظاهراتي، قبل إتقان أساسيات البحث النوعي المتمثلة في البحث الساسي أو العام. فالبحث الأساسي أو العام هو أبسط صيغ البحث النوعي وأيسرها على الباحث المبتدئ، وهو في الوقت نفسه المدخل لبقية الأنواع. فالبحث الأساسي (أو العام) يعتمد على طرح سؤال مباشر (أو أسئلة) والإجابة عليها بطريقة مباشرة من خلال تحليل البيانات تحليلا نوعيا واستخراج الموضوعات المحورية فيها.
فكثير من الباحثين يريد أن يقوم ببحث ظاهراتي لأنه تستهويه دراسة الخبرة المـُعاشة، أو يأمل أن يخرج بنظرية تفسيرية لظاهرة ما، دون أن يكون قد امتلك المهارات اللازمة والأدوات المناسبة والمعرفة الكافية للقيام بهذه الاستراتيجيات بالشكل الصحيح. بينما كان يمكنه في هذه المرحلة من خبرته البحثية أن يكتفي بالمرحلة الأولى وهي (البحث الأساسي). إتقان هذا النوع من البحث هو المدخل والمفتاح لإتقان الأنواع أو الاستراتيجيات المتقدمة في البحث النوعي.
كثير من الباحثين يظن أنه لا ينتج بحثا نوعيا رصينا إلا إذا ابتدأ بالعمل على إحدى الاستراتيجيات المتقدمة في البحث النوعي مثل النظرية المؤسسة أو الظاهراتية أو الاثنوجرافي، وهذا ليس صحيحا بالضرورة. فالبحث الأساسي الذي يُعمل بطريقة جيدة وتتوفر فيه البيانات الكافية والتحليل العميق يتطور بطبيعته (وأحيانا دون شعور من الباحث) إلى نوع متقدم من هذه الأنواع بحسب ما يسمح له سؤال البحث والهدف منه. فالبحث الأساسي يمكن مع توفر البيانات اللازمة أن يتحول إلى بحث اثنوجرافي إذا كان سؤاله يتعلق بالثقافة، حتى لو لم يبدأه الباحث على هذا الأساس. فسؤال البحث وعمق التحليل تشكلان بدرجة كبيرة شخصية البحث وهويته النهائية. ولذلك فلعل من الحكمة أن لا ينشغل الباحث المبتدئ بتحديد استراتيجية البحث أو نوعه بدقة في بداية بحثه، بل يبدأ بالبحث الأساسي، ويرجئ التحديد الدقيق إلى مراحل متقدمة من البحث.
سطحية التحليل والتعامل معه على أنه تقرير صحفي
غاية البحث وأهميته تكمن في نتائجه، فكل المقدمات والإجراءات إنما هي لضمان الوصول إلى نتائج علمية ذات مصداقية. ونتيجة لحداثة التجربة العربية في البحث النوعي وعدم توفر نماذج جيدة، ولقلة المراجع العربية (وربما الأجنبية، نسبيا) في مجال تحليل البيانات النوعية يقع كثير من الباحثين في خطأ الخلط بين التحليل النوعي للبيانات وبين التقرير الصحفي الذي يعتمد على استطلاع آراء الخبراء في قضية ما. فالصحفي يطرح أسئلة على المشاركين في التقرير، ثم يكتفي بنقل إجاباتهم وآرائه محول الموضوع، ويسوقها كما هي مع قليل من التنسيق في سياقها أو التعليقات التعليق السرع عليها. وكثير من الباحثين المبتدئين في البحث النوعي يتبع هذا النموذج في التعامل مع البيانات. فتراه يقول: في الإجابة على السؤال الأول أشار المشارك الأول إلى كذا، وقال المشارك الثاني كذا، وخالفهما المشارك الثالث. وهذا ليس تحليلا، فالتحليل ليس نقلا لإجابات أفراد المشاركين على سؤال البحث أو أسئلة المقابلة، إنما هو قراءة الباحث لكل الإجابات وتأملها وتحديد مواضع الاتفاق فيها – الأنساق والأنماط المتكررة – فيما يتعلق بسؤال البحث، وليس أسئلة المقابلة. فالباحث هو الذي يحلل البيانات، وهو المسؤول عن الكشف عن ما فيها من أفكار ومعاني تتبدى له من خلال قراءته للبيانات وبالاستعانة بما لديه من خبرة في موضوع البحث وما لديه من إلمام بإطاره النظري والدراسات السابقة فيه. فالتحليل ليس إعادة رواية أو إعادة تعبير عن (الأقوال الفردية) للمشاركين، إنما هو نسجٌ للأفكار والتبصّرات والمعاني التي تتحصل لدى الباحث من قراءة أقوال وأفكار المشاركين. فهو عملية نسج لأفكار ومحاور تجيب على أسئلة البحث من خلال خيوط إجابات المشاركين.
البساطة في مناقشة النتائج.
البحث النوعي ركيزته الأساسية العمق والنقاش الحجاجي النقدي. فالنتائج في البحث النوعي ليست مجرد دعاوى سطحية، تتبدى للباحث من القراءة الأولية للبيانات، بل هي تقريرات واستخلاصات علمية تنتج عن جدل علمي رصين بين الباحث، من جهة، وأدبيات الدراسة، من جهة ثانية، وبياناتها، من جهة ثالثة. هذه الثلاثة تتآزر لإيجاد نتائج ذات قيمة ومصداقية للبحث النوعي. ومهمة الباحث ليس فقط أن يعرض نتائجه، بل أن يثبت للقارئ صحة ما توصل إليه من نتائج وتفسيرات، وأن يسوق من الحجج والشواهد من الإطار النظري والدراسات السابقة ما يؤيد ما توصل له، وفي نفس الوقت ينفي عنها، بطريقة حِجاجية نقدية، كل ما يمكن أن يشكك في تلك النتائج. إن كون نتائج البحث النوعي "علمية" يعني أنها لا بد أن تصمد للنقاش والجدل المضاد والدحض. وهذا لا يكون إلا إذا كانت النتائج متأسِّسة على بيانات متنوعة وكثيرة، ونتجت على تحليل نقدي عميق، وفهم لموضوع البحث.
إن افتقاد نتائج البحث العلمي لقوة التأثير والإقناع التي تمتلكها الأرقام والإحصاءات يجعل من الضروري أن يبذل الباحث النوعي جهدا مضاعفا لتوفير هذه القوة الإقناعية من خلال التحليل العميق للبيانات وإيجاد الشواهد والمبررات التي تقنع القارئ بصدق النتائج وعِلميتِها. هذا يتطلب مهارةً كتابية حِجاجية إقناعيةً، ربما تتطلب جهدا لبنائها والتدرب عليها. وهذا ما يجعل المهارة الكتابية جزءًا من كتابة البحث النوعي.
مراعاة ما سبق من ملحوظات يسهم في جعل البحث النوعي أكثر مصداقية، ويوضح الصرامة العلمية لمنهج البحث النوعي، ويكشف الجهد العلمي الذي يقوم به الباحث النوعي.
