أساسيات إدارة الوقت
إدارة الوقت
أ.د. راشد بن حسين العبد الكريم
يشتكي كثير من الناس، سواء في أعمالهم أو في حياتهم الاجتماعية من (كثرة الأعمال) وعدم توفر الوقت اللازم للقيام بها. والحقيقة أن المشكلة ليست أبدا في عدم توفر الوقت، ولم تكن يوما كذلك، إنما المشكلة في (إدارة الوقت)، والاستثمار الأمثل له. فالجميع لديهم أربع وعشرون ساعة في اليوم، ومائة وثمان وستون ساعة في الأسبوع، ولا يستطيع أحد مهما أوتي من قوة أو ذكاء أو مال أن يزيد على ذلك ساعة واحدة. إلا أن الفرق بين المنجزين وغير المنجزين (والناجحين وغير الناجحين) هو في الاستثمار الفاعل لهذه الساعات والإدارة الحكيمة للوقت خلالها. ويتم ذلك عادة من خلال الحرص الشديد على الوقت، ووضع أهداف للإنجاز، وترتيب الأولويات، والتركيز، والتفويض. وهذه المهارات – أو العادات – يمكن تعلمها، وهي وإن لم تزد الساعات الفعلية في اليوم، إلا أنها تزيد من فعالية استخدام الوقت، وتحد من فقده، فتجعله منتجا مثمرا.
المهارة الأولى لإدارة الوقت هي (حفظ الوقت). ويتم ذلك أولا بالنظر إليه على أنه شيء ثمين، لا يمكن تعويضه. فالذهب على غلاء ثمنه، يمكن أن تعوض ما فقدت منه، أما الوقت، فكل دقيقة تمر عليك لا يمكن أن تسترجعها، مهما فعلت. وكذلك يجب النظر للوقت على أنه هو ظرف الإنجاز، وهو الفضاء الذي يتكوّن فيه النجاح. فلا أحد يمكن أن ينجز شيئا أو يحقق نجاحا إلا إذا توفر له الوقت اللازم لذلك. فأول قاعدة في إدارة الوقت القناعة بأهميته، وبأنه مصدر ثمين و (ناضب). فكل القواعد التالية في إدارة الوقت لن تنجح إذا لم تتوفر قناعة (أهمية الوقت وضرورة المحافظة عليه).
الوقت أثمن ما عُنيت بحفظه ....... وأراه أسهل ما عليك يضيع
المهارة الثانية (وضع الأهداف)، فكثير من الناس تضيع عليهم الأوقات، أو تتراكم عليهم الأعمال ويكثر لديهم التسويف والتأجيل بسبب أنه لا يوجد لديهم أهداف محددة، يومية أو أسبوعية أو شهرية، أو أبعد من ذلك. وإنما يسيرون مع الأحداث كيفما اتفق، ويجعلون الأحداث – وما يفعله الآخرون – هي التي تسيرهم. والهدف هو مقدار من العمل ذو قيمة يُرغب في إنجازه، ويتم التعبير عنه بصياغة واضحة ودقيقة، ويربط تحقيقه بوقت محدد. فالهدف دون وقت محدد للإنجاز يبقى مجرد حلم. فلكي تدير وقتك بفعالية يجب أن تضع لك أهدافا.
ويتم عادة وضع الأهداف بعيدة المدى أولا، بحيث يحدد الشخص له أهدافا عامة في الحياة، ثم يبدأ يشتق من هذه الأهداف العامة أهدافا أقل عمومية لفترات طويلة مثل السنة أو الخمس سنوات، وأهدافا خاصة للشهر أو للأسبوع. وبالتأكيد فإن أهداف النسا تتنوع تبعا لرغباتهم وقيمهم وقناعاتهم وظروفهم. وضع الأهداف بأنواعها، يفيد في حصر الأعمال في دائرة تحقيق الأهداف، ويفيد في تقرير أهمية الأعمال، وما يجب أن يقدم منها وما يجب أن يؤخر. فالأعمال التي تحقق الهدف أو تقرب منه هي التي لها الأفضلية، وما سواها يترك له "فضلة الوقت" إن وجدت. ولذا فمن الصفات الرئيسة للناجحين والمنجزين أنهم يتحركون بناء على أهداف محددة. (ما الذي أريد إنجازه خلال هذا اليوم؟ أو الأسبوع؟ أو الشهر؟) من أكثر ما يضيع الوقت أن يقوم الإنسان من نومه في الصباح وليس في ذهنه (أو مفكرته) أهداف محددة يريد أن ينجزها أو أن ينجز شيئا يقربه منها. فوجود الأهداف المحددة عامل أساس في حفظ الوقت وحسن إدارته.
المهارة الثالثة، ترتيب الأولويات. لا يكفي أن يحدد الإنسان مجموعة من الأهداف، بل يحتاج إلى أن يرتبها من حيث الأهمية. لأنه كثيرا ما تتعارض لديه الأعمال المتعلقة بكل هدف. فترتيب الأهداف من حيث الأهمية يساعد على ترتيب الأعمال في حال تزاحمها، بناء على أهمية الأهداف التي تتعلق بها. فيحتاج الإنسان إلى الأهداف – بشكل عام – ليرتب أهمية الأعمال بناء على درجة ارتباطها بالأهداف، ويحتاج إلى ترتيب الأهداف ليرتب الأعمال المهمة بناء على أولوية الأهداف وأهميتها. إدارة الوقت الفاعلة تلزمك أن تطرح سؤالا على نفسك عندما تريد أن تقوم بعمل ما: (هل هذا العمل يقربني من أهدافي؟ أو يساعدني على تحقيقها؟) إذا كانت الإجابة ب (لا)، فمعنى ذلك أن العمل ليس له أولوية. وتذكر أن كل مرة توافق فيها على أداء عمل غير مهم فأنت بشكل أو بآخر توافق على تأخير عمل مهم. ترتيب الأولويات يساعدك على اتخاذ القرار الصحيح في هذا.
المهارة الرابعة في إدارة الوقت الفعالة هي التركيز. عند تحديد الأهداف وترتيب الأولويات، يجب التركيز على العمل الذي يستحق التنفيذ. حصر الجهد في العمل من أكبر ما يساعد على إنجازه، وفي أقصر وقت ممكن. مشكلة يعاني منها كثير من الناس أنهم بعد تحديد العمل الذي يجب القيام به، تكثر الصوارف عنه والمشتتات. وحيث أن الأعمال المهمة التي تقود إلى تحقيق الأهداف غالبا ما تكون صعبة أو غير محببة، فإن النفس تنجذب لأي صارف عنها مهما كان تافها. فكثيرا ما تتذكر تصفح الانترنت أو تصفح رسائل الجوال أو إجراء مكالمة عادية أو اللقاء بصديق أو التسوق إذا ما قررت البدء بعمل مهم يستغرق وقتا. ولذا فعادة التركيز على ما يجب عمله وحصر الجهد في ذلك والتخلص من جميع الشواغل التي تصرفك عنه من العادات الأساسية لإدارة الوقت وللإنجاز. تخلص من كل ما يتسبب في تشتيت انتباهك أثناء العمل، وحدد مدة للعمل، كله أو جزء منه، لا تتركه إلا بعد الانتهاء منه، مهما بدت لك الأعمال الطارئة أو الجانبية جذابة. تشتت الجهد بإنجاز بعض الأعمال الجانبية من أكثر ما يضيع الوقت ويمنع من الإنجاز وتحقيق الأهداف.
المهارة الخامسة هي التفويض. أحيانا تكون الأعمال كثيرة فعلا، بما يفوق طاقة الإنسان. إلا أن بعض هذه الأعمال لا يلزم أن يقوم بها الشخص نفسه، بل يمكن أن يفوّض من يقوم بها – أو بأجزاء منها – عنه. الأعمال التي يمكن أن يقوم بها غيرك دون إخلال بمسؤولياتك النظامية أو الأخلاقية، من الأفضل دائما أن توْكلها لغيرك، وتستثمر وقت إنجازها في أشياء مهمة لا يمكن لك أن تفوضها. فمثلا صيانة السيارة يمكن أن توكلها لسائق – أو من تستأجره لذلك – أو لأحد الأبناء. كذلك تفويض بعض الأعمال التقنية المتعلقة بكتابة التقارير أو عمل العروض التقديمية، يفضل أن تفوضها لمتخصصين، لأنهم أقدر على عملها، وتوفر بذلك وقتا تصرفه في أشياء أهم.
بعض الناس يمنعهم من التفويض اعتقادهم أنهم خير من يقوم بالعمل. وهذا قد يكون في بعض الأحيان صحيحا، لكن إذا اخترت الشخص المناسب للتفويض، فغالبا ما توفره من وقت يفوق ما قد تخسره من جانب انجاز العمل بالشكل الذي ترغب به. ويزول هذا النقص من خلال التوجيه وتكرار العمل. كما أنه يجب أن يُلاحظ أن التفويض غالبا يتم في الأعمال الإجرائية غير الأساسية التي لا يضر كثيرا انخفاض الجودة فيها. فمثلا لن يضرك كثيرا لو تأخر صيانة السيارة لمدة ساعة (أو لو زادت التكلفة مائة ريال!) لأنك لم تقم بذلك بنفسك. فكر في الربح الذي جنيته من توفير ثلاث ساعات ثمينة من وقتك وجهدك، تصرفها على ما هو أهم.
إدارة الوقت مهارة ضرورية للنجاح والإنجاز في هذا العصر الذي تكاثرت فيه الأعمال وازاد ضغط الحياة على الناس. إتقان هذه المهارات أو العادات الأساسية، يساعد على استثمار الوقت في ما يفيد، وإنجاز الكثير من الأعمال في وقت أقصر وجهد أقل. ولكل مهارة من هذه المهارات مهارات فرعية أو جزئية مذكورة بالتفصيل في الكتب المتخصصة في إدارة الوقت. ويمكن القول إن سر والإنجاز والإنتاجية والنجاح – بعد توفيق الله – يكمن في الإدارة الفاعلة للوقت.
