العقيدة والفكرالردود العلميةالعقيدة··١ مشاهدة

كمال الحيدري وابن تيمية والتجسيم

مناقشة مختصرة للشيعي كمال الحيدري في اتهامه ابن تيمية بالتجسيم

الحيدري وابن تيمية والتجسيم الشيخ كمال الحيدري مجتهد شيعي معاصر، له حضور كبير في القنوات الفضائية الشيعية وفي اليوتيوب. ويتكلم في قضايا عقدية وكلامية وفلسفية متنوعة. ويُظهر نوعا من الانفتاح والرغبة في التجديد في نزعة نقدية بدأت تظهر كثيرا عند بعض علماء الشيعة، الذين هم في الغالب غير مرضي عنهم من المراجع الشيعية المعتمدة. إلا أنهم رغم نزعتهم النقدية هذه، ودعواهم الانفتاح فإن غالبهم لا زال داخل الإطار الشيعي في التفكير، ولا زال متمسكا بأصول مذهب التشيع. ويكرر الحيدري دائما دعاواه بالنظر للأقوال دون اعتبار قائليها، طلبا للموضوعية والعدل مع المخالفين. وقد كنت استمع إليه في بعض محاضراته المتعلقة ببعض قضايا علم الكلام، ولفت انتباهي مقطع له عن (التجسيم عند ابن تيمية). فأحببت أن أرى رأيه في ذلك، وانظر هل استطاع أن يطبق ما يقول به من موضوعية وانفتاح مع ابن تيمية. لكنني تفاجأت أنه فشل في ذلك فشلا ذريعا. والحقيقة أني لاحظت هذا على كثير من الفرق المخالفة لأهل السنة – أهل الحديث. فهم يتحلون بقدر كبير من التسامح وحسن الظن وحمل الكلام على أحسن محاملة مع كل الفرق والطوائف، إلا عندما يتعلق الأمر بأهل السنة، فإن المعايير وتتبدل، وينقلب التسامح تعنتا، ويظهر الاعتساف في التفسير وسوء الظن. ورمي ابن تيمية بالتجسيم (وغيره من التهم) ليس جديدا عند خصوم ابن تيمية، لكن الذي دعاني لمناقشة هذا الموضوع عند الحيدري أمران: الأول ما أشرت له من إظهار الحيدري للموضوعية والتسامح والعلمية في تعامله مع المخالفين. والثاني أن هذه نقطة "منهجية" يقع فيها أكثر خصوم ابن تيمية، ويروج، بسبب عدم الانتباه لها ،كلامهم على اتباعهم. فغلطهم ليس أمرا جزئيا، بل غلط يتعلق بمنهج القراءة وفهم النصوص والنقد. لكن قبل أن أبدأ بعرض أسلوب الحيدري في قراءة نصوص ابن تيمية والحكم عليه، يجب أن أنبه على أمور توطئ للموضوع. الأول: ليس هدفي أن أنفي القول بالتجسيم عن ابن تيمية. فأعتقد أن هذا صار من تحصيل الحاصل. فكتب ابن تيمية متوفرة، ونصوصه صريحة في ذلك، وقد كُتب عن الموضوع كتابات كثيرة (تنفي عنه ذلك). فالمقصود بهذا المقال مناقشة منهج الحيدري في "نسبته" للتجسيم لابن تيمية، وأسلوب الاستدلال عند الحيدري، وليس نفي (أو إثبات) القول بالتجسيم لابن تيمية. فهذا له مجال آخر. فموضوع هذه الورقات (الحيدري) وليس (ابن تيمية). ثانيا: ابن تيمية ليس له نص صريح في القول بإثبات الجسم لله. فعلى كثرة ما كتب في الموضوع، وعلى شجاعته المعروفة عنه في طرح آرائه، لا يستطيع أحد أن يأتي بنص صريح يقول فيه ابن تيمية (إن الله جسم). ومن يعرف شجاعة ابن تيمية يعرف معنى هذا. فهو إذا اعتقد صحة قول أعلنه ونافح عنه، ولذلك سجن أكثر من مرة بسبب أقواله التي خالف فيها علماء عصره، سواء في الفقه أو في العقيدة. فلو كان يرى (التجسيم) لأعلنه. ثالثا: نص ابن تيمية صراحة في مواضع من كتبه، أن الحنابلة والسلف لهم قولان في مسألة (الجسم): (النفي) و (الإمساك عن النفي أو الإثبات). فمن نفى راعى أن القول بالجسمية لم يأت في النص وفيه تمثيل. فنهى عنه، ومن أمسك (فلم يثبت ولم ينفِ) توقف لأن اللفظ لم يأت في الشرع، ولأن اسم (الجسم) يحتمل أكثر من معنى، ومن أهل الكلام من ينفيه بناء على مفهوم خاص له في (الجسم)، وهو المفهوم الكلامي الذي يتوصل به إلى نفي الصفات. لكن هذا لا علاقة لابن تيمية به. رابعا: وهذه نقطة مهمة لأن لها تعلقا بتفسير الحيدري لكلام ابن تيمية. ابن تيمية دائما يستفصل في معنى (الجسم) قبل أن يثبت أو ينفي. فيثبت المعنى الصحيح، وينفي المعنى المبتدع الفاسد، دون إثبات اللفظ. فلفظ (الجسم) يطلق ويقصد به معاني مختلفة، فلذلك ابن تيمية لا يتعامل معه مجملا، بل يستفسر ويستفصل، قبل القبول أو الرد. خامسا: نص ابن تيمية صراحة على أن السلف أنكروا التعطيل وألفوا في ذم أهله والتحذير منه أكثر مما ذموا التشبيه – الذي يتفرع منه التجسيم - وحذروا منه. (انظر النص في العقود الذهبية 1/ 169) بل نص صراحة على أنه "لم يذم أحد من السلف أحدا بأنه مجسم، ولا ذم المجسمة، وإنما ذموا الجهمية النفاة لذلك وغيره، وذموا أيضا المشبهة الذين يقولون صفات الله كصفات المخلوقين. ومن أسباب ذمهم للفظ الجسم والعرض ونحو ذلك ما في هذه الألفاظ من الاشتباه ولبس الحق..." فلو كان يقول بالتجسيم، لأعلن ذلك ولم يحابِ أحدا. سادسا: ليس في أصحاب ابن تيمية ولا أتباعه إلى اليوم – فيما أعلم – من يقول بالتجسيم. ومن اُتهم من الحنابلة (بهتانا) بالتجسيم – كأبي يعلى – متقدم على ابن تيمية. ومع ذلك لم يدافع ابن تيمية عن أبي يعلى في هذا، بل نفى عنه هذه التهمة. فلو كان يقول بالتجسيم لوجدها فرصة لتثبيت هذه التهمة، لنصرة قوله. بل إن ابن تيمية نبه على ما حصل من بعض الحنابلة من غلو، فقال "وفي الحنبلية أيضا مبتدعة، وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر، وبدعتهم غالبا في زيادة الإثبات [أي: في الصفات] في حق الله وفي زيادة الإنكار على مخالفيهم بالتكفير وغيره." (الفتاوى 20/ 186) فأنت تراه ينكر على أصحاب مذهبه الحنبلي زيادتهم في إثبات الصفات على الوارد عن السلف. هذه النقاط الست لا بد من استحضارها عند مناقشة (قراءة) الحيدري لنصوص ابن تيمية. وكما ذكرت، لا يهمني رأي الحيدري في ابن تيمية، إنما الذي يهم هو (منهج) القراءة لديه، الذي يصلح أن يكون نموذجا لقراءة خصوم ابن تيمية له. وهو منهج عانى منه أتباع التوجه الأثري منذ القدم، لأنه منهج قائم على سوء الفهم وسوء التفسير وبتر الكلام وإخراجه عن سياقه، والتشنيع بالألقاب. وجدده في هذا العصر وتوسع فيه الكوثري، وعنه نقل أكثر من جاء بعده وتوسع فيه. وأريد أن أنبه على نقطة مهمة فيما يتعلق بفهم النص وتفسيره، وهي أن القارئ للنص غالبا يفسره بما يتناسب مع آرائه السابقة. وغالبا – وليس دائما – يكون هذا لا شعوريا، فالقارئ للنص لا يشعر بما يقع فيه من تحيز أو خطأ واضح أحيانا في الفهم. وأحسب أن الحيدري وقع في هذا. لأن الشيخ الحيدري ممارس لأقول علماء الكلام، ومتمرس في قراءة نصوص الخصوم، ومطّلع على آليات الاستدلال وقراءة النصوص وتفكيكها. فيبعد جدا أن يكون ما وقع فيه خطأ عارضا.. لكن يغلب على ظني أن الشيخ الحيدري وقع في (متلازمة التحيز) وهي أن يسارع العقل إلى قبول _أو إيجاد - التفسير الذي يتوافق مع ما تقرر عنده سلفا. لكني لا أخفيك – عزيزي القارئ – أني بعد جولة في مقاطع الشيخ الحيدري عن ابن تيمية وبعض أتباعه صار من الصعب عليّ جدا (والصعب على أي منصف) أن يستبعد (سوء القصد) لدى الشيخ الحيدري. فهناك تدليس متعمد ورغبة أكيدة في التشويه، وتعسف في تحريف كلامٍ واضحِ المعنى، يصير معه حسن الظن نوعا من السذاجة ونمطا من إهمال كل القرائن التي تشير إلى الموقف الحقيقي للشيح الحيدري. وعلى أي حال ف (الدافع) لا يهمني كثيرا، إنما يهمني بيان مجانبة الحيدري للعلمية والموضوعية في قراءة نصوص ابن تيمية التي استشهد بها. استشهد الشيخ الحيدري بثلاثة نصوص، سأعرضها مع بيان المعنى الصحيح الواضح لها دون تكلف، ثم أعرض (تفسير) الشيخ الحيدري لها، وأبين منشأ الغلط في قراءته. وليُعلم أن للحيدري كلاما كثيرا في موضوع اتهام ابن تيمية والوهابية بالتجسيم (وغيره من التهم)، ولم أتقصد تتبع كلامه في ذلك، وهو يستحق أن يُتتبع لبيان ما فيه الخلل العلمي والمنهجي والأخلاقي. وليكون نموذجا يُضم إلى النماذج الكثيرة للمتجنين على ابن تيمية. المقطع الذي سيكون محور المناقشة موجود على اليوتيوب بعنوان (دليل ابن تيمية على إثبات الجسم لله) تم نشره في 17/5/2018 وقد رأيت أن الحيدري كرر كلامه هذا في عدد من اللقاءات في قنوات فضائية. بدأ الحيدري بتقرير أنه لا يوجد في القران نص يقول إن الله ليس بجسم. ثم قرر أن الجسم (ما له أبعاد ثلاثة). وهذا أحد التفسيرات ل (الجسم) وليس التفسير الوحيد. وهو ما لم يُشر إليه الحيدري. ثم ذكر أن الذين نفوا الجسمية استدلوا بأدلة عقلية فلسفية ...[ وتذكّر هذه – أيها القارئ - فسنحتاج إليها بعد قليل!] وأنه بناء على كلامهم لزم من القول بجسميته حدوثُه. مضافا إلى أدلة نقلية، ولم يذكر ما هي هذه الأدلة النقلية. ثم يتباهى بأنه كتب في رد (جسمية ابن تيمية )كتابا في 500 صفحة بعنوان (التوحيد عن الشيخ ابن تيمية). إن أي قارئ – أو مستمع – للحيدري يتوقع من باحث كتب كتابا عن التوحيد عند ابن تيمية، ويريد أن يثبت أن ابن تيمية يقول بالتجسيم لا يتصور أن تعوزه الأدلة من كلام ابن تيمية، ولا يتوقع أن يضطر للجوء إلى أساليب غير علمية وغير أخلاقية في الاستدلال والنقد. استشهد الحيدري على نسبة القول بالجسمية بثلاثة نصوص. وسأعرضها وأعرض كلام الحيدري عنها. النص الأول: كتاب بيان تلبيس الجهمية 1/ 251 يقول ابن تيمية: "... وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض أو أنهم وصوفه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم يقولوا هو جسم فيقال له لا اختصاص للحنابلة بذلك، بل هذا مذهب جماهير أهل الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها. وفي الجملة فإثبات هذه الصفات هو مذهب الصفاتية من جميع طوائف الأمة مثل الكلابية وأئمة الأشعرية وهو مذهب الكرامية ومن المعلوم أن بين إثبات الأشعرية ونحوهم له وبين إثبات الكرامية ونحوهم له فرقا وكثير منهم ينفي..."

هذا هو النص، وأرجو – أخي القارئ - أن تعيد قراءته، لتفهم معناه. ودعني أعيد كلام ابن تيمية مضيفا عليه بعض الكلمات – بين قوسين - التي تبين المقصود. وإن أردت (يا رازي) أنهم (أي الحنابلة) وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد وذلك يقتضي (عند أهل الكلام) التجزئة والتبعيض أو أنهم وصفوه بما يقتضي (عند أهل الكلام) أن يكون جسما والجسم (عند أهل الكلام) متبعض ومتجزئ، وإن لم يقولوا (أي الحنابلة) هو جسم، فيقال له: لا اختصاص للحنابلة بذلك (أي وصفه بالصفات الخبرية)، بل هذا (أي وصفه بالصفات الخبرية) مذهب جماهير أهل الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها...

انظر كيف حرف الحيدري الكلام، بما لا يمكن أن يخطر على بال عاقل منصف. وسأضع كلام الحيدري التوضيحي الذي أفسد كلام ابن تيمية [بين معقوفين]:

وإن أردت أنهم وصفوه بالصفات الخبرية مثل الوجه واليد وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض أو أنهم وصفوه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم يقولوا هو جسم فيقال له لا اختصاص للحنابلة بذلك [ أن الله جسم – ماكو مشكلة] بل هذا مذهب جماهير أهل الإسلام بل وسائر أهل الملل وسلف الأمة وأئمتها. [كلهم يقولون أن الله جسم]. فالحيدري عدّ عبارة (... وذلك يقتضي التجزئة والتبعيض أو أنهم وصوفه بما يقتضي أن يكون جسما والجسم متبعض ومتجزئ وإن لم يقولوا هو جسم) من كلام ابن تيمية، بينما من الواضح أن هذه العبارة تابعة للكلام المقول على لسان للرازي، لأن هذا هو قول أهل الكلام، وأنها جاءت قبل قول ابن تيمية (فيقال...). فتأمل كيف فهم الحيدري كلام ابن تيمية، وكيف دسّ فيه عبارات أجنبية عنه ليختلق المعنى الذي يريده، ولا يمكن أن يفهمه أحد من كلام ابن تيمية. فابن تيمية يقرر أن إثبات الصفات الخبرية (القول بأن لله وجها ويدا وأنه استوى على العرش...) هو مذهب جماهير أهل الإسلام وسلف الأمة. وهذا حق. لكنهم لا يفسرونها التفسيرات الكلامية التي تستلزم التجسيم عند أهل الكلام – ومنهم الرازي. والحيدري حرف كلام ابن تيمية بأن المقصود أنهم يقولون بأنه جسم.
ولا أدري كيف تكوّن هذا الفهم عند الحيدري. ولا أدري كيف يقبله أتباعه مريدوه؟! وبهذه المنهجية في القراءة والتفسير، يمكن لأي أحد أن يفسر الكلام بما يريد. ولاحظ أيها القارئ أن هذا (دليل) الحيدري الأول على تجسيم ابن تيمية! قد يقول قائل: لا بأس هذا فهم أخطأ فيه الحيدري، أو التبست عليه مراجع الضمائر وأسماء الإشارة. ومع أن هذا ليس بعذر، لأنه الحيدري كتب كتابا عن ابن تيمية، ومارس قراءة كتب الكلام، فلا يمكن أن يشكل عليه مثل هذا الكلام. لكن على أي حال، دعنا ننتقل للنص الثاني، - ودليل الحيدري الثاني على تجسيم ابن تيمية - فقد يزيد الأمور وضوحا. النص الثاني يقول ابن تيمية: "ومعلوم أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة، بل مقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بينة ولا متفقا على قبولها بين العقلاء، بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد. وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما وما لا يكون جسما لا يكون إلا معدوما..." بيان تلبيس الجهمية 1/ 359 فأبن تيمية يقرر في هذا النص الواضح أن القول بأن الله ليس بجسم ليس أمرا فطريا، إنما يحتاج إلى استدلال عسير. والحيدري في بداية مقطعة قرر هذا، وقال إن دليل عدم جسمية الله يتم ادعاؤه بناء على استدلالات فلسفية عقلية! فماذا قال ابن تيمية غير هذا؟!! لكنه يخالف ما قرره، كما في موقعه ، إذ يقول: ((إذن هو عندما يقول إن نفي الجسمية ليس أمراً فطرياً، إذن إثبات الجسيمة يكون من الأمور الفطرية، يقول: (ومعلوم أن كون البارئ ليس جسماً ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة) يعني نفي الجسمية ليس قريب من الفطرة (ولا بمقدمات بينة في الفطرة ولا بمقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بينة ولا متفق على قبولها بين العقلاء) هذه كلها يريد أن يرد نظرية نفي الجسمية. هل هناك أوضح من هذا. لا عقلاً ولا فطرةً يثبت لنا أن الله ليس بجسم.)) ثم يبين ابن تيمية أن طوائف من أهل الكلام – وليس السلف – يقدحون في تلك الأدلة، ويقولون (تلك الطوائف من أهل الكلام – وليس ابن تيمية - ) بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب (أي أن الله ليس بجسم)، وأن القائم بنفسه لا يكون إلا جسما... فليس لابن تيمية هنا قول في موضوع الجسمية. هو يقرر أن دليله عقلي فلسفي غامض (وهو ما أقر به الحيدري في بداية المقطع، لكن يبدو أنه نسي!)، ثم يذكر أن طوائف من أهل الكلام خالفت وادعت أن القواطع العقلية قامت على خلاف ذلك. ومن تلك الطوائف سنة وشيعة، وقد ذكر بعضهم الحيدري في مقطع آخر. وليس من تلك الطوائف أحد من السلف! كيف فهم الحيدري النص؟ وكيف فسره؟ بدأ أولا قراءة النص وفسره حرفيا تفسيرا صحيحا، لكن بنبرة استنكارية، وكأنه يحاول تنفير المستمع منها. مع أن ما قاله ابن تيمية هو عين ما قرره الحيدري بشأن دليل (عدم الجسمية). لكن نبره الحيدري تهيئ المستمع لاستعظام ما سيقال. ولو اقتصر الأمر على هذا لهان! لكن الداهية الدهياء تأتي بعد ذلك! وذلك بأن يقفز الحيدري كلاما مهما وهو قول ابن تيمية (وطوائف كثيرون من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون...) ويبدأ من (... بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب...) ويفسر ذلك ب (أدلته) يعني أدلة ابن تيمية. ويضيف الحيدري "موضحا" : "أي أن الله ليس بجسم. أنت تقول قامت القواطع العقلية أن الله ليس بجسم، وهو يقول قامت القواطع العقلية أن الله جسم" ولا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى كبير تأمل في تلبيس الحيدري وضعف أمانته العلمية – بل خيانته العلمية - في هذا العمل. فالكلام الذي ينسبه ابن تيمية صراحة إلى طوائف من أهل الكلام تحول بسبب فقد الأمانة العلمية وسوء القصد إلى قول لابن تيمية. فأين قال ابن تيمية في هذا النص (إن الله جسم)؟ ولأبين لك شناعة فعل الحيدري دعني أسوق النص بحسب قراءة الحيدري ثم أسوقه كما هو في الكتاب ليتضح الفرق العظيم. نص قراءة الحيدري "ومعلوم أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة بل مقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بينة ولا متفقا على قبولها بين العقلاء بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد ... [كلام مهم قفزه الحيدري]!! بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما..." نص ابن تيمية: "ومعلوم أن كون الباري ليس جسما ليس هو مما تعرفه الفطرة بالبديهة ولا بمقدمات قريبة من الفطرة ولا بمقدمات بينة في الفطرة بل مقدمات فيها خفاء وطول وليست مقدمات بينة ولا متفقا على قبولها بين العقلاء بل كل طائفة من العقلاء تبين أن من المقدمات التي نفت بها خصومها ذلك ما هو فاسد معلوم الفساد بالضرورة عند التأمل وترك التقليد وطوائف كثيرة من أهل الكلام يقدحون في ذلك كله ويقولون بل قامت القواطع العقلية على نقيض هذا المطلوب وأن الموجود القائم بنفسه لا يكون إلا جسما وما لا يكون جسما لا يكون إلا معدوما..." فهل النصان متساويان؟! وهل يستجيز أحد ينتسب للعلم أو يتقي الله فيما يقول أن يساوي بينهما؟! ثم يقرر على العبارة الأخيرة (وما لا يكون جسما لا يكون إلا معدوما)– التي ليست من كلام ابن تيمية، إنما ينقلها عن أهل الكلام - "أن من لا يقول إن الله جسم فإنه يعتقد بعدم وجود الله، فهو إذن ملحد" !!! وينسب ذلك لابن تيمية. فابن تيمية يسوق كلام (طوائف من أهل الكلام)، ليبين أن الاستدلال العقلي على نفي الجسمية ليس قطعيا ومتفقا عليه بين أصحاب المنهج العقلي. والحيدري بكل جرأة – وصفاقة – يحذف كلاما مهما ظاهرا في الصورة من المقطع!! يبين من القائل، وينسب الكلام لابن تيمية!
أي قيمة علمية تبقى لدروس الحيدري وآرائه واستنتاجاته وكلامه الكثير مع ما وقع فيه في هذين النقلين من سوء الفهم والتلبيس. لا أظنه يوجد إفلاس علمي – وأخلاقي – أكثر من ذلك.

هذا والحيدري يصطحب كتبه التي ينقل منها ويعرضها على مشاهديه، فكيف لو كان ينقلها كتابة؟! وهو في ما يظهر يفعل ذلك إمعانا في التلبيس على حضور دروسه ومشاهديه، وإيهاما لهم بأنه دقيق في نقله وموضوعي في حكمه. إن فائدة النقل بالنص والإحالة للكتاب بالجزء والصفحة وتصوير النصوص المنقولة هو تأكيد الأمانة العلمية والتوثيق وطمأنة القارئ بالاعتماد على النص حرفيا. فما فائدة ذلك كله إذا كان الناقل يفسر الكلام بما لا يحتمله، وإذا كان يزيد فيه وينقص بنا يحقق مراده من النص لا بما يدل عليه النص، بل بما يخرجه عن معناه الأصلي الذي قصده المؤلف، وربما يجعله على العكس تماما. لا فائدة من ركم الكتب وعرض النصوص – في هذه الحالة - إلا خداع المشاهد! فهذا هو "الدليل" الثاني للحيدري على قول ابن تيمية بالتجسيم. ليس فيه أي دليل لا مباشر ولا غير مباشر، بل هو دليل واضح على إفلاس الحيدري وافتقاده للأمانة العلمية، واستخفافه بمشاهديه وطلابه. بل هو (بانضمامه لدليله الأول) دليل أكيد على عدم وجود الدليل، ودليل على التجني والتعسف. إن هذين الدليلين الذين ساقهما الحيدري لا يدلان على تجسيم ابن تيمية بأي حال، إنما يدلان بكل وضوح على الخيانة العلمية والتعصب وفقد الحجة. ومع هذا فيأبى الحيدري إلا أن يستوعب كل أغلاط الاستدلال، وأساليب التلبيس، فلذلك يسوق "دليلا" ثالثا. فإليك دليل الحيدري الثالث.
النقل الثالث يقول ابن تيمية في النص الأصلي (بيان تلبيس الجهمية 1/ 399): "وهذا كله إذا لم يكن في الفلاسفة من يقول بالجهة، ولا في المسلمين من يقول بقدم بعض الأجسام. فكيف والمثبت للجهة يقول ما يقال في: الوجه الثامن: وهو أن يقول: غاية ما ألزمتني به من حجة الدهرية أن يقال بقدم بعض الأجسام، إذ القول بقدم الأجسام جميعها لم يقل به عاقل. والقول بخلق السموات والأرض لم تدل هذه الحجة على نفيه، وإنما دلت – إن دلت – على قدم ما هو جسم أو مستلزم لجسم، وهذا مما يمكنني التزامه، فإنه من المعلوم أن طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل لا يقولون بحدوث كل جسم، إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه أو الموجود أو الموصوف، فالقول بحدوث ذلك يستلزم القول بحدوث كل موجود وموصوف وقائم بنفسه، وذلك يستلزم بأن الله تعالى محدث..." 1/399 بشكل واضح وصريح في كتاب (بيان تلبيس الجهمية، ج1، ص399) قال: (وإنما دلت إن دلت على قدم ما هو جسم أو مستلزم لجسم وهذا مما يمكننا التزامه فإن من المعلوم أن طوائف كثيرة من المسلمين لا يقولون بحدوث كل جسم) من قال لكم أن كل جسم حادث حتى يلزم أن يكون الله حادثاً، يقول (فإن طوائف كثيرة من المسلمين وسائر أهل الملل لا يقولون بحدوث كل جسم) إلى أن يأتي في (ص401) يقول ابن تيمية: (فأقول...). إذن هذا كلام ابن تيمية، فهو ليس نقلاً عن الآخرين وإنما هو كلامه، (فأقول إذا كانت هذه الحجة التي عارضتمونا بها مستلزمة لكون بعض الأجسام قديمة من غير أن تعين جسماً أمكن أن يكون ذلك الذي يعنونه بأنه الجسم القديم هو الله سبحانه) يقول إذا ألزمنا أحد أنه يوجد جسم قديم نقول نعم هناك جسم قديم هو الله سبحانه وتعالى (كما يقوله المثبتون) للجسمية، لا النافون للجسمية. هذه هي النقطة الثانية. فأين التصريح بإثبات الجسم لله؟! بالتأكيد لا يوجد. إذن الحيدري يستنتج من "كلام" ابن تيمية. لكن هذا الكلام يسوقه ابن تيمية في مقام الجدل والتنزل، وهذا واضح من سياق الكلام من أوله، ففي الصفحة السابقة كان يجادل الرازي على لسان (الفيلسوف)، وكلامه هنا امتداد لهذا الجدل. فابن تيمية يقول: "وهذا كله إذا لم يكن في الفلاسفة من يقول بالجهة، ولا في المسلمين من يقول بقدم بعض الأجسام. فكيف والمثبت للجهة يقول ما يقال في: الوجه الثامن: وهو أن يقول..."، ويكمل الكلام على لسان الفيلسوف أو المثبت للجهة. والحيدري يعلم هذا – كما في موقعه -، لكنه يصر على أن هذا الكلام لابن تيمية! فلو كان هذا احتجاج ابن تيمية فما الذي يدعوه إلى افتتاح (الوجه الثامن) بعبارة: (وهو أن يقول)؟ ومع ذلك فلنفرض جدلا – أرجو أن تنتبه أني أقول نفرض جدلا – أن ابن تيمية قال بالتزام القول بالجسم، فهو عرّف الجسم الذي يقصده، أي معنى الجسم الذي يلتزمه، عندما قال في نفس الفقرة التي قرأ أولها الحيدري: (إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه، أو الموجود أو الموصوف..). لكن الحيدري لما وصل إلى هذه الجملة المهمة والمفيدة في بيان القضية قيد البحث، وهي قول ابن تيمية (إذ الجسم عندهم هو القائم بنفسه، أو الموجود أو الموصوف..) قطع القراءة ...! مع أن هذه العبارة مهمة جدا لأنها توضح المعنى الذي يقصده بعض من أثبت الجسم، وهو (القائم بنفسه أو الموجود أو الموصوف)، أي ليس المفهوم الكلامي الذي يعني المركب أو المكون من الأجزاء المفردة... إلخ. فمن أثبت الجسم أثبته بمعنى (القائم بنفسه أو الموجود أو الموصوف). وتوقف الحيدري عن إكمال العبارة وجمجمته عند بدء قراءتها تؤكد لي سوء قصده. وأن ما وقع فيه في هذه النصوص الثلاثة ليس سوء فهم عفوي، بل خيانة علمية وتدليس. ولاحظ أن ابن تيمية قال (الجسم عندهم...) ولم يقل عندنا! وهذا يؤكد أنه يسوق الكلام على لسان آخرين من باب التنزّل في الجدل. والغريب أن الحيدري ربما إمعانا في الاستخفاف بعقول متابعيه لم يبالِ بظهور هذه العبارة في الصورة أثناء المقطع، بحيث يقرؤها أي مشاهد. في هذا النقل الثالث أكمل الحيدري طيفا من الأغلاط والتلبيسات، ليستوعب عامتها في قراءة ابن تيمية. مع أني لم أتتبع كلامه في مقاطع أخرى حول الموضوع. فهذه ثلاثة نصوص، وليست نصا واحدا، وقد ذكرها في أكثر من مقطع يوتيوب وقناة، كما وضعها في موقعه على الانترنت. فهي لم تأتِ عرضا، أو حال استدلال آني. فثبت من خلال تأمل هذه النصوص الثلاثة التي كرر الشيخ الحيدري الاستشهاد بها في أكثر من مقطع ووضعها في موقعه أمور: 1- أنه لا يوجد نص لابن تيمية في إثبات الجسم لله، تقدس وتعالى، لأنه مع حرص الحيدري على إيجاد مثل هذا النص وتأليفه كتابا عن التوحيد عند ابن تيمية لم يجد نصا بذلك. 2- قيام الحيدري بتحريف كلام ابن تيمية، يخالف ما هو واضح من كلام ابن تيمية 3. تدليس الحيدري بنسبة كلام غير ابن تيمية لابن تيمية. 4- تناقضه بحيث يقرر الأمر ثم يستنكره من ابن تيمية

والحقيقة أني لا أدري ما حال الكتاب الذي كتبه الحيدري عن (التوحيد عند ابن تيمية) في أكثر من 500 صفحة، إذا كان هذا هو أسلوب الفهم وطريقة الاستدلال لديه!! من هذه الأمثلة الثلاثة التي أوردتها هنا لا أظن أنه يصعب على أي باحث أن يتوصل لحكم على علمية كتاب الحيدري وموضوعيته وأمانته. إنني من خلال الاطلاع على ما قاله الحيدري في هذه النقول الثلاثة السالفة وغيرها لا يدهشني السقوط العلمي – على شناعته - بقدر ما يدهشني السقوط الأخلاقي . فما من عالم إلا ويخطئ الفهم، أو يسهو، أو يغلبه الهوى الخفي في مواضع، فهذا كله محتمل، ويتوقعه العلماء بعضهم من بعض. لكن الداهية الدهياء في العلم، والعيب الذي لا يُقبل فيه العذر والسوأة التي لا يمكن سترها هي السقوط الأخلاقي الذي يأتي في صورة الكذب والتدليس والتزوير والبهت. فهذه تقدح في أمانة العالم، والعلم أمانة، وتقدح في خلقه. ولا يستمرؤها إلا وضيع الطبع دنيء الخلق. و"هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم". وأنا على يقين أن الحيدري – ومن على شاكلته – لم يلجأ إلى هذا الأسلوب إلا لسببين: الأول إفلاسه من الحجة والدليل. والثاني يقينه أن تلامذته ومن يستمع إليه لن يتتبعوا أقواله ولن يفكروا فيها، بل سيقبلونها ويسلمون بها وسينقلونها دون تدقيق. وقد يكون هذا طبع نشأ عليه لا يستطيع الانفكاك منه. وهذه الطريقة في البحث عند الحيدري تفقد كل كتبه ومحاضراته قيمتها العلمية، وتحتم على كل قارئ أن يحتاط عند القراءة أو السماع له. فمن لا يفهم كلام العلماء أو يسيء تفسير نصوصهم، أو يفتقد الأمانة العلمية فيما ينقله عنهم أو ينسبه لهم من أقوال، ليس بأهل لأن يوضع في زمرة العلماء ولا أن يوثق به أو بنقله أو فهمه. وأولئك هم آفة العلم والتدين. وأختم برجاء أوجهه لخصوم السلفية، وخصوم ابن تيمية خاصة. سئمنا وضجرنا من كذبكم وتلفيقكم وألاعيبكم في كلامكم عن ابن تيمية. صار أمر قراءتها والرد عليها مملا بالنسبة لنا، لأنه لا جديد فيها، إلا التنويع في الإفك وسوء الفهم والتلبيس وبلادة الحجة. ترتكبون من الأخطاء ما لا يقع فيه مبتدؤو الطلبة. وكل ذلك نقمة منكم على ابن تيمية وحسدا له. وأنتم لا تعودون في كل مرة إلا بالخيبة والفضيحة. فكم أسأتم فهم كلامه، وكم حرفتموه، وكم تجاهلتم، وكم حذفتم وزدتم إمعانا في التلبيس. لكن لا أظن ذلك يروج على طلبتكم، فضلا عن أن يروج على أنصار ابن تيمية وجماهير المسلمين. كذبكم وخيانتكم العلمية تروج على فئة واحدة: الذين لا يقرأون ابن تيمية ولا يريدون أن يقرؤوه. ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور. انقدوا ابن تيمية، لكن اتركوا الكذب عليه والتدليس. قولوا إنكم تلزمونه – إلزاما – بحسب ما تعتقدونه أنتم! قولوا إنكم تقولون وتكتبون ما تعتقدونه عن ابن تيمية، لكن ليس لديكم أدلة من كلامه، وأنتم بهذا وإن سقطت حجتكم لكن تكونون أقرب للعدل وأدنى للحقيقة. وأيما أخترتم .. فسيبقى ابن تيمية يعلو وتسقطون. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.