البحث العلميالبحث النوعيالنشر العلميمناهج البحث·

مناهج البحث النوعي ودراسات العلوم الشرعية والإسلامية

مال يوضح كيفية اىستفادة من مناهج البحث النوعي في دراسات العلوم الشرعية

مناهج البحث النوعي ودراسات العلوم الشرعية والإسلامية أ.د. راشد بن حسين العبد الكريم يُعد التوجه النوعي (الكيفي) في البحث توجها حديثا في إطاره الجديد، إلا أنه في الواقع هو الأصل في الممارسة البحثية. فالتوجه الكمي بتقنياته الحديثة إنما هو طارئ على العلوم الإنسانية، ودخيل عليها. وما ألجأ إليه إلا الاعتقاد بأنه سبيل مضمونة للحاق بركب اعلم الطبيعي. وتيار التأسيس للتوجه النوعي، عند التأمل، إنما هو محاولة لاستعادة الوضع الطبيعي في البحث بعد أن حرفته (الوضعية) positivism عن مساره الصحيح، رغبة في التشبه بالعلوم الطبيعية توسلا إلى (العلمية) التي كانت حلما تطمح إليه مجالات المعرفة المختلفة. ولم يدُر بخلَد رواد الوضعية أنهم باستعارة منهج العلوم الطبيعية إنما يدقون مسمارا – أو مسامير - في نعش العلوم الاجتماعية أو ينسجون الكفن لتلك العلوم الوليدة! في العلوم الإسلامية تحديدا، كان المنهج السائد والأصل – بشكل عام - هو المنهج النوعي، وإن لم يُرف بهذا الاسم. فعلوم الحديث التي هي أساس العلوم الشرعية كلها، قامت على (النوع) ولم تقم على (الكم). فعلماء الحديث، في بحثهم الحديثي، كانوا يهتمون بصفات الرواة بالدرجة الأولى، وفصلوا في ذلك تفصيلا دقيقا، ولم يكونوا ينظرون فقط إلى (عدد) الرواة. كما أنهم كانوا يعتمدون على (صفات) الحديث – المتن – فركزوا على (صفات) المتن من حيث الشذوذ والنكارة، وتنوع الروايات ومدى توافق المتن مع الأحاديث الأخرى، في ذاته أو مقارنة بغيره من المتون، ولم يكونوا يقفون فقط عند (عدد الأسانيد). بل إنهم في تعريف المتواتر، لم يشترطوا عددا معينا، على القول الأكثر قبولا بينهم، بل اعتمدوا على (نوع) النقل، وليس فقط على (عدد) الرواة. كذلك في بحثهم الفقهي – فيما بعد – كانوا أصحاب نظر (نوعي)، فكانوا يبحثون المسائل بالنظر في الأدلة والترجيح بين الأقوال نظرا (نوعيا) يراعي كل السياقات المرتبطة بالمسألة. فلم يكونوا (يعدون) الأدلة عدا حسابيا مجردا، ويرجحون بناء عليها، إنما كان نوع الدليل والاتساق مع القواعد العامة للشريعة والنظر للمصالح الشرعية، أمرا معتبرا في استنباط الحكم. فلم يكونوا يلجؤون إلى (العدد) إلا إذا تساوت الأوصاف الأخرى. بل كانوا يذهبون أبعد من ذلك بأن ينظروا لألفاظ الآية أو الحديث (النص) ليتعرفوا على معناه التداولي – في سياقه اللغوي والاجتماعي والثقافي - وليس معناه المعجمي فقط، ليحددوا المعنى الذي يدل عليه وتتواءم به الأدلة. وهذا أمر لا تصعب ملاحظته على أي باحث في بقية العلوم الإسلامية. فهناك دائما ميل إلى التحقق من صفات الأدلة، وتفننٌ في توظيف أنواع الاستدلال ومراعاة لكل المؤثرات فيها وتوظيف لأكثر من دليل أو طريقة استدلال (التعددية المنهجية triangulation ) وليس فقط الاقتصار على (عدد) الأدلة، للوصول إلى استنتاج ذي مصداقية. بل إنهم في بحثهم كانوا يوردون على أنفسهم حجج الخصوم المتوقعة ويشتغلون بالإجابة عنها، وهو ما يمكن أن يندرج في (استراتيجيات التحقق من النتائج) في تحليل البيانات النوعية. والمتأمل في أبحاث علماء المسلمين الذي اشتغلوا بالتقعيد واستخراج (النظريات) – وإن لم يسموها بذلك – مثل الإمام الشافعي، الذي سلك في كتابه (الرسالة) منهجا نوعيا رصينا، وإن لم يفصح عنه، ونتج عنه علم منهجي وهو أصول الفقه، الذي كان ثمرة نظر (نوعي) في النصوص الشرعية (البيانات) وطريقة الصحابة والتابعين في قراءتها. وتلاه العلماء في استخدام المناهج النوعية، لكنهم لم يفصلوا فيها ولم يضعوا لها أسماء تخصها، وإنما كانوا يتناولون ذلك تحت المفهوم العام ل (النظر) و (الاستقراء). المتأمل في أبحاثهم يرى أنهم كانوا نوعيين في توجههم البحثي، وأنهم سلكوا في ذلك مسالك عميقة مختلفة. بعد ذلك ظهر هذا المنهج جليا بعد نضوج العلوم الإسلامية التأسيسية، فظهر عند علماء متأخرين، خاصة الذي عُنوا بالتنظير والتفريع والاستقراء والخروج بالقواعد العامة المستنتجة من النصوص الشرعية وكلام الأئمة المتقدمين. مثل الغزالي ابن تيمية وابن القيم والشاطبي، أو غيرهم ممن كان له اجتهاد في مجالات محددة مثل ابن كثير في التفسير أو ابن الصلاح والذهبي وابن حجر في الحديث، وأمثالهم في مجالات الفقه والعقيدة ونحوها. كانت أبحاثهم (نوعية) يوظفون فيها منهجا استقرائيا يمكن أن يجد فيه الباحث بسهولة (منهج البحث الأساسي) أو (التحليل المحوري) thematic analysis ، كما في تقسيمات أنواع الأحاديث بحيثياتها المختلفة، من حيث طرق النقل أو من حيث الصحة والضعف. كما أننا يمكن أن نجد (النظرية المؤسسة) grounded theory في أبحاث كثير من العلماء، أو الدراسات التي أجريت على تراث بعض العلماء. فمثلا (الضروريات الخمس) و (التقسم الثلاثي للتوحيد) يمكن إدراجها في أبحاث (النظرية المؤسسة)، ويمكن أن يلحق بذلك الدراسات المتأخرة التي تُعنوَن عادة ب (نظرية كذا... عند فلان). فهذه الأبحاث تصل إلى أن تكون أبحاث نظرية مؤسسة، وإن لم تسلك منهجيتها بدقة، وذلك لعدم معرفة الباحثين (أو العلماء المتقدمين) بالتقنيات الحديثة في إجراء هذه الأبحاث. وميزة التوجه النوعي في البحث أنه منهج مرن، ومنفتح وقابل للتطور. فيمكن باستمرار ظهور منهجيات، أو تطوير ما هو موجود، تبعا لتجدد موضوعات البحث وتجدد الأهداف منه. فيمكن ابتكار منهجيات مناسبة للبحث في مجال العلوم الإسلامية والدراسات الشرعية بما يتناسب مع الموضوعات المدروسة ومع الهدف من بحث تلك الموضوعات. مع ملاحظة إمكانية دمج بعض المنهجيات إذا كانت تحقق الأهداف بفاعلية. وفيما يلي عرض مختصر لبعض منهجيات البحث النوعي التي يمكن أن توظف بفعالية في دراسات العلوم الشرعية بأنواعها.
البحث الأساسي ويسمى أحيانا (أو نوع معمق منه) التحليل المحوري. في هذا النوع (أو المنهجية) يطرح الباحث سؤالا مباشرا، ويجمع البيانات المناسبة ثم يقرأوها باحثا عن إجابة، يضعها على شكل محاور رئيسية (ويمكن أن يتلوها محاور فرعية). فمثلا سؤال: (ما أقسام الحديث النبوي)؟ يقوم الباحث بتتبع الأحاديث إما من حيث أصلها أو بحسب حكم العلماء عليها. ثم يصنف أنواع الأحاديث بحسب ما يراه هو أو بحسب ما رآه العلماء من قبله، فيخرج بتصنيف لها، يجيب على سؤاله. فهذا بحث أساسي، لأنه إجابة مباشرة على السؤال من خلال (محاور) استقاها الباحث من النصوص (البيانات) التي أمامه. تماما – من حيث المنهجية - مثل أن يسأل باحث معاصر (ما أنواع/مجالات المقالات المنشورة في الصحف السعودية في العام الماضي؟). فسيخرج الباحث من تحليل المقالات المنشورة إلى تصنيف وتسميات لتلك المجالات. ففي البحث الأساسي المطلوب هو بناء المحاور (التصنيفات) من خلال (استقراء) البيانات. ابن تيمية طرح سؤالا (ما الأشياء التي يكفر الله بها الذنوب؟) واستقرأ النصوص فتوصل من خلال (تحليل محوري) إلى (عشرة أسباب): التوبة، الاستغفار، الحسنات الماحية، دعاء المسلمين ... رحمةُ الله، إلخ. لو طبق التوجه الكمي فمن المستبعد جدا أن يتوصل لها بهذا الشمول. ابن القيم سال - بلسان الحال -: (ما استراتيجيات الشيطان العامة في إضلال الناس؟) وتوصل من خلال تحليل محوري إلى أنها ست استراتيجيات متدرجة: 1) إضلالهم بالكفر والشرك، 2) شغلهم بالبدعة، 3) شغلهم بالكبائر، 4) شغلهم بالصغائر من الذنوب، 5) شغلهم بالمباحات، 6) شغلهم بالمفضول من الأعمال عن الفاضل). لم يكن ابن القيم – رحه الله - ليتوصل إلى هذه التصنيفات المتدرجة (التي قد ترقى لأن تكون نظرية مؤسسة) لولا أنه استقرأ برؤية تحليليه ثاقبة ليس النصوص فقط، وإنما أحوال النفس والناس أيضا. النظرية المؤسسة (المجذرة) النظرية المؤسسة مستوى أكثر تقدما من حيث السعة والعمق للبحث الأساسي. ففي البحث الأساسي عادة يُجاب عن سؤال مباشر وضيق. في النظرية المؤسسة الأمر يذهب أوسع وأعمق من ذلك، بحيث يحاول أن يفسر الظاهرة بكاملها أو أجزاء متعددة منها. فبدل أن نسأل: ( ما أقسام الحديث؟) يمكن أن نتوسع لنسأل (ما منهج المحدثين في التعامل مع المرويات؟) هذا السؤال بالتأكيد يشمل أشياء أكثر من (أقسام الحديث)، مثل أقسام العلماء ومناهجهم في التعامل من النص النبوي، الاختلاف في (التقسيمات) وأسباب الاختلاف، وما ينبني على هذا الاختلاف .... إلخ. ولا يلزم أن تكون (النظرية المؤسسة) شاملة، لأن هذا قد يتعذر أو يتعسر، لكن يكفي أن يكون فيها حدا أدنى من الشمول، بحيث لا تقتصر على بعد واحد ضيق من الظاهرة. كتاب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) لابن تيمية قد يصلح مثالا للنظرية المؤسسة (وقد يصلح أيضا مثالا للبحث الأساسي). فابن تيمية في هذه الرسالة يتعرض لأسباب عدم أخذ بعض العلماء بالحديث النبوي، وباستقراء موسوعي يتوصل إلى عدد من الأسباب (المحاور) و (المحاور الفرعية) التي من خلالها يفسر ظاهرة (عدم أخذ بعض العلماء ببعض الأحاديث وأثر ذلك في الخلاف الفقهي). نظريات الشاطبي في المقاصد والمصلحة كلها تدخل في أبحاث (النظرية المؤسسة). بل لعل القواعد الفقهية الكلية تندرج ضمن مستوى من مستويات (النظرية المؤسسة)، لكنها صيغت باختصار لتكون قاعدة يسهل استحضارها. أبحاث كثيرة في (مقدمة ابن خلدون) يمكن أن تصنف على أنها (نظرية مؤسسة). النظرية المؤسسة تحتاج إلى بيانات كثيرة وعميقة ومتنوعة ولذلك لم يستخدمها من المتقدمين إلا العلماء ذوو الاطلاع الواسع. كما أنها تحتاج إلى دقة في الفهم وعمق في التحليل وقدرة على (بناء) الأفكار والنظريات. والكثير من الدراسات الشرعية والإسلامية المعاصرة تراوح بين هاتين المنهجيتين (البحث الأساسي) و (النظرية المؤسسة)، وإن لم تلتزم بإجراءاتهما الدقيقة والعمق اللازم في النظرية المؤسسة. لكنها دون أدنى شك تندرج في هذا التوجه. واطلاع الباحثين على تفاصيل تلك المنهجيات يفيد كثيرا في تطوير ما يتوصلون إلى من نظريات. الاثنوجرافي (دراسات الوصف الثقافي) الاثنوجرافي تهتم بوصف الثقافة، التي هي أنماط المعتقدات والسلوك وما ينتج عنها في أي مجتمع، صغيرا كان أو كبيرا. هذه المنهجية تستخدم غالبا لدى المتخصصين في علم الاجتماع. لكنها يمكن أن توظف في الدراسات الإسلامية. فيمكن إجراء دراسات إثنوجرافية على الأقليات الإسلامية، أو مجموعات فرعية في تلك الأقليات، أو مجموعات المسلمين الجدد في مكان ما، أو ثقافة (العلماء) أو طائفة منهم، أو (طلبة العلم) بوصفهم مجموعات فرعية في المجتمع. بل يمكن أيضا توظيف هذه المنهجية لدراسة مجتمعات قامت في الماضي من خلال نصوص تاريخية خاصة بها. فمثلا يمكن دراسة الثقافة السائدة في (مجتمع الصحابة)، في جانب ما، أو علماء الحديث من خلال المرويات الثابتة عنهم سواء من قصصهم أو من كلامهم أو كلام المعاصرين لهم. مثل هذه الدراسات ستفيد في تفسير كثير من النصوص الشرعية وستفيد في فهم (لغة) تلك الفئة وأنماط التواصل بينهم. وهذا كله سينعكس إيجابيا على تفسير النصوص الشرعية، ودفع الشبهات وأغاليط المعاصرين عنها. تحليل المحتوى تحليل المحتوى منهجية في البحث توسع فيها التوجه النوعي، وأعطاها عمقا لم تكن تمتلكه في التوجه الكمي. بل قد يصح أن يقال إن البحث النوعي في النهاية كله (تحليل محتوى). هذه المنهجية يمكن أن تخدم الدراسات الإسلامية بشكل كبير. فكتب الحديث مليئة بالروايات عن علماء المسلمين، فيمكن مثلا تحليل أقوال الصحابة أو التابعين التي في كتب الحديث، أو أقوال إمام معين في موضوع محدد في كتبه الخروج بنتائج مهمة عن تلك الأقوال تساعد على رسم صورة لتلك الفئة أو للمجتمع الذي عاشوا فيه، تساعدنا على فهمهم وفهم النصوص التي نقولها لنا. تحليل الخطاب من أنواع تحليل المحتوى. لكن عادة يتم التركيز في تحليل الخطاب على الجوانب اللغوية للنص والإشارات الصريحة أو المضمنة فيه، ودلالاتها. وقد يستخدم هذا المنهج تحت اسم عام وهو (المنهج اللساني). ولا شك أن العلماء المسلمين توسعوا في تحليل الخطاب، فجزء من نقد الحديث وترجيح الأدلة في الفقه قائم على تحليل الخطاب. بل إن مبحثا أساسيا في أصول الفقه يهتم بدلالات الألفاظ ومعانيها. التفسير الإشاري أيضا فيه إضاءات في هذا المجال. تحليل الخطاب في الأحاديث النبوية والآثار يفيد في فهم النصوص وفهم الثقافة التي قيلت فيها، بما يعطينا استيعابا أوسع لتلك النصوص وسياقاتها. كما أنه يفيد في الترجيح بين الأدلة حال التعارض، وهو – أي الترجيح – مما عُني به الفقهاء.
فمثلا نحن بحاجة إلى دراسات عقدية في تحليل محتوى النصوص و (المتون) العقدية، للتعرف على اللغة العقدية وتطور المصطلحات العقدية وظهور بعض المفاهيم الكلامية، وكيفية استخدام العلماء لتلك الألفاظ والمفاهيم. وتوظيف المنهجيات النوعية خاصة تحليل الخطاب سيفيد كثيرا في ذلك. ظهر نوع من التفسير في السنوات الأخير وهو ما أطلق عليه (التفسير الموضوعي) للقران، حيث يقوم الباحث بجمع الآيات التي تتعلق بموضوع واحد، وتحليلها واستخراج المفاهيم الأساسية فيها والربط بينها. وهذا النوع هو أسلوب نوعي في البحث يندرج تحت تحليل المحتوى، لكن بما أنه يهدف إلى دراسة المحتوى في إطار موضوع معين، فإنه قد ينحو منحى (النظرية المؤسسة) أو على الأقل (التحليل المحوري). البحث الظاهراتي المقصود بالبحث الظاهراتي (أو الظاهري) – نسبة إلى الظاهرة أو الظاهر – هو البحث الذي يهتم بمشاعر المبحوثين ومعاناتهم من الخبرات الشخصية التي يمرون بها. فالبحث الظاهري يسعى للتعرف على الظاهرة كما (يراها) الشخص المبحوث، وكما تظهر له. ولذلك فهي غالبا تهتم بالظواهر الوجدانية النفسية. مثل هذا المنهج أرى أنه مناسب لدراسة ما يتلق بالظواهر الدينية، مثل معاناة الفقد وعلاقته بالصبر واحتساب الأجر، أو العلاقة بين اقتراف المعاصي خاصة الكبائر والتوبة والشعور بالندم، وعلاقة ذلك كله بإصلاح السلوك، أو مشاعر المسلم حديث الإسلام مع الدين الجديد عليه، ونحو ذلك. وهذه قد تتداخل فيه الدراسات الإسلامية مع الجوانب ذات العلاقة مثل علم النفس أو علم الجريمة ونحو ذلك. الغزالي وابن القيم لهم إلماحات تأسيسية في هذا المجال، وإن لم تبلغ أن تكون بحوثا ظاهراتية. وقد يدخل في ذلك أسلوب (المنهجية الثقافية) ethnomethodology الذي يهتم باكتشاف الطرق التي يستخدمها الناس في أداء أمور حياتهم اليومية، والمعنى الكامن وراءها، فيسعى لدراسة المسلمات والتعريفات والطرق الروتينية لعمل الأشياء من خلال تفحص الأحاديث اليومية التي تحدث في سياق طبيعي لمعرفة كيف يؤدي الناس أعمالهم العادية. هذه نظرة مختصرة – غير مستقصية -في أهم منهجيات البحث النوعي التي يمكن توظيفها في الدراسات الشرعية والإسلامية، مع التأكيد على أن البحث النوعي فيه مرونة تتيح ابتكار منهجيات جديدة، أو الدمج بين المنهجيات الموجودة للوصول إلى فهم أو تفسيرات أعمق وأشمل للظاهرة المدروسة. وفي الختام أود أن أشير إلى أمرين مهمين: الأول: أن بعض هذه المناهج يُستخدم من قِبل المستشرقين وأتباعهم في عالمنا العربي، وربما هذا ما أسهم في إعطائها عدم القبول لدى المتخصصين في الدراسات الشرعية. لكن يقع مستخدموها غالبا في خطأين كبيرين: 1- عدم الإحاطة بالنصوص، أي عدم الحصول على بيانات كافية وعدم فهم السياقات التي قيلت فيها. فكما هو معلوم البيانات (وما يتبعها من سياقات) هي المادة الأساسية في البحث النوعي. فأي قصور فيها يُعد خللا كبيرا في البحث، يؤثر على النتائج ومصداقيتها. 2 - سوء القصد أو سوء التوظيف، وذلك بالانطلاق من مقررات مسبقة لدى الباحث، مما يجعله يقفز للنتائج التي في ذهنه ومتقررة لديه سلفا، دون أن يعطي التحليل حقه من النظر والتأمل والتحقق. الأمر الثاني: قد ينفر البعض من البحث النوعي في العلوم الشرعية بسبب أنها منهجيات ظهرت في العصر الحديث في سياق غربي، وتم التأصيل لها بناء على فلسفات غربية، ولا يكاد يوجد من يتحدث عنها بناء على أسس منهجية مرتبطة بالتراث الإسلامي. والذي يظهر أن سبب ذلك هو أن الباحثين – النوعيين - في الغرب كانوا يسعون إلى (إعادة الأمور إلى نصابها)، وذلك بتخليص منهجية العلوم الإنسانية من السيطرة الوضعية الكمية، ولذلك كتبوا فيها كثيرا، ونقدوا الأسس الفلسفية التي قام عليها المنهج الكمي، وطرحوا أسسا بديلة. لكن في السياق الإسلامي لم يتم هذا، وربما لا نكون بحاجة له، بسبب أن الدراسات الإسلامية لم تتأثر – في صلبها - كثيرا بالمنهج الكمي. بل ظل التأثير عاما وشكليا. وعدم تبني هذه العلوم للمنهج الكمي يسهّل التبني الرشيد والواعي لهذه المنهجيات النوعية "الجديدة" ويؤدي إلى تطويرها بما يتناسب مع الأهداف الحديثة للدراسات الإسلامية.